الشنقيطي
465
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الحفر ، وهذا الذي أعطى قليلا وأكدى ، اختلف فيه العلماء ، فقيل هو الوليد بن المغيرة قارب أن يؤمن بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فعيّره بعض المشركين ، فقال : أتركت دين الأشياخ وضللتهم ؟ قال : إني خشيت عذاب اللّه ، فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب اللّه ، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيّره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه ثمامة . فأنزل اللّه عز وجل الآية . وعلى هذا فقوله . تَوَلَّى ( 33 ) : أي الوليد عن الإسلام بعد أن قارب ، وأعطى قليلا من المال للذي ضمن له أن يتحمل عنه ذنوبه . وَأَكْدى ( 34 ) : أي بخل عليه بالباقي ، وقيل أعطى قليلا من الكلام الطيب كمدحه للقرآن ، واعترافه بصدق النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وأكدى أي انقطع عن ذلك ورجع عنه . وقيل : هو العاص بن وائل السهميّ ، كان ربما وافق النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض الأمور ، وذلك هو معنى إعطائه القليل ثم انقطع عن ذلك ، وهو معنى إكدائه ، وهذا قول السدي ولم ينسجم مع قوله بعده : أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ الآية . وعن محمد بن كعب القرظيّ أنه أبو جهل ، قال : واللّه ما يأمرنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلا بمكارم الأخلاق ، وذلك معنى إعطائه قليلا ، وقطعه لذلك معروف . واقتصر الزمخشريّ على أنه عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، قال : روي أن عثمان بن عفان كان يعطي ماله في الخير فقال له عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، وهو أخوه من الرضاعة : يوشك ألا يبقى لك شيء . فقال عثمان : إن لي ذنوبا وخطايا ، وإني أطلب بما أصنع رضا اللّه تعالى ، وأرجو عفوه ، فقال عبد اللّه : أعطني ناقتك برحلها ، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها ، فأعطاه وأشهد عليه ، وأمسك عن العطاء فنزلت الآية « 1 » . ومعنى تولى ترك المركز يوم أحد ، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل . انتهى منه . ولا يخفى سقوط هذا القول وبطلانه ، وأنه غير لائق بمنصب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه . وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة سبعة أمور : الأول : إنكار علم الغيب المدلول عليه بالهمزة في قوله : أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ والمراد نفي علمه للغيب . الثاني : أن لكل من إبراهيم وموسى صحفا لم ينبأ بما فيها هذا الكافر . الثالث : أن إبراهيم وفّى أي أتم القيام بالتكاليف التي كلفه ربه بها .
--> ( 1 ) الكشاف 4 / 33 .